الشيخ محمد النهاوندي

521

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

في بعض يوم واحد لَمْ يَتَسَنَّهْ ولم يتغيّر في السّنين المتطاولة . روي أنّه رأى تينة وعنبة كما جنى ، وعصيره كما عصر « 1 » ، ثمّ لمّا رأى ذلك ، وكان مجال توهّم الاستدلال به على قصر مدّة موته ، دفع اللّه ذلك التّوهّم بإقامة دليل قاطع على طول مدّة موته بقوله : وَانْظُرْ إِلى عظام حِمارِكَ كيف صار رميما ، ليتبيّن لك موتك في المدّة المديدة ، وإنّما فعلنا ما رأيت من الإماتة وإحياء الرّمم ، وحفظ التّين والعصير من التّغيير والفساد ، لتشاهد كمال قدرتنا وتزداد يقينا بالمعاد وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً نافعة لِلنَّاسِ جميعا ، حيث يزدادون بقضيّتك معرفة ويقينا . ثمّ لمّا أمره أوّلا بالنّظر إلى الحمار البالي ؛ لتبيين طول مدّة موته ، أمره ثانيا بالنّظر إلى عظام نفسه ، أو عظام حماره بقوله : وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ المتفرّقة الرّميمة كَيْفَ نُنْشِزُها ونرفع بعضها إلى بعض ، ونردّها إلى أماكنها من الجسد ثُمَّ نَكْسُوها ونلبسها لَحْماً ونسترها به ؛ ليشاهد به كيفيّة الإحياء في نفسه ، أو في غيره ، بعد ما شاهدها في نفسه . في رواية عن القمّي ، عن الصادق عليه السّلام : « فجعل ينظر إلى العظام البالية المتفطّرة تجتمع إليه ، وإلى اللّحم الذي قد أكلته السّباع ، يتالف إلى العظام من هاهنا وهاهنا ويلتزق بها ، حتى قام وقام حماره » « 2 » . وفي رواية أخرى : ونظر إلى عظامه كيف تلتئم وتلبس اللّحم ، وإلى مفاصله وعروقه كيف توصل ، فاستوى قاعدا « 3 » فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ كمال قدرة اللّه بما عاين من إحياء الرّمم قالَ أَعْلَمُ الآن بالشّهود أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ممّا أمكن وأراد قَدِيرٌ لا يستعصي عليه أمر . قصّة عزير النبيّ روي أنّه ركب حماره وأتى محلّته ، فأنكره النّاس ، وأنكر النّاس ، وأنكر المنازل ، فانطلق على وهم منه حتّى أتى منزله ، فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أدركت زمن عزير ، فقال لها عزير : يا هذه ، هذا منزل عزير ؟ قالت : نعم . وأين ذكرى عزير وقد فقدناه منذ كذا وكذا ! فبكت بكاء شديدا ، قال : فإنّي عزير ، قالت : سبحان اللّه أنّى يكون ذلك ؟ قال : قد أماتني اللّه مائة عام ، ثمّ بعثني . قالت : أنّ عزيرا كان مستجاب الدّعوة ، فادع اللّه بردّ بصري حتى أراك ، فدعا ربّه ، ومسح بين عينيها ففتحتا ، فأخذ بيدها ، فقال : قومي بإذن اللّه ، فقامت صحيحة كأنّها انشطت من عقال « 4 » ، فنظرت إليه ،

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 1 : 413 . ( 2 ) . تفسير القمي 1 : 90 ، تفسير الصافي 1 : 267 . ( 3 ) . الاحتجاج : 344 ، تفسير الصافي 1 : 268 . ( 4 ) . أنشطت من عقال : أي أطلقت من قيدها .